محمد بن الطيب الباقلاني
203
إعجاز القرآن
في ظلال ( 1 ) القلة والذلة ، وأقدارهم بالعين التي يجب أن تلحظ بها ، ومراتبهم بحيث يجب ( 2 ) أن ترتبها ؟ هذا كله في تأمل الكلام ونظامه ، وعجيب معانيه وأحكامه . فإن جئت إلى ما انبسط في العالم من بركته وأنواره ، وتمكن في الآفاق من يمنه وأضوائه ، وثبت في القلوب من إكباره وإعظامه ، وتقرر في النفوس من حتم أمره ونهيه ، ومضى في الدماء ( 3 ) من مفروض حكمه ، وإلى أنه جعل عماد ( 4 ) الصلاة التي هي تلو الايمان في التأكيد ، وثانية التوحيد في الوجوب . وفرض ( 5 ) حفظه ، ووكل الصغار والكبار بتلاوته ، وأمر عند افتتاحه بما أمر به لتعظيمه ، من قوله : ( فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم ) ( 6 ) لم يؤمر بالتعوذ لافتتاح أمر كما أمر به لافتتاحه ، فهل يدلك هذا على عظيم شأنه ، وراجح ميزانه ، وعالي مكانه . وجملة الامر أن نقد الكلام شديد ، وتمييزه صعب . ومما كتب إلى الحسن بن عبد الله العسكري : [ قال ] ( 7 ) أخبرني / أبو بكر ابن دريد قال : سمعت أبا حاتم يقول : سمعت الأصمعي يقول : فرسان الشعر ( 8 ) أقل من فرسان الحرب . وقال : سمعت أبا عمرو بن العلاء يقول : العلماء بالشعر أعز من الكبريت الأحمر . وإذا كان الكلام المتعارف المتداول بين الناس ، يشق تمييزه ، ويصعب نقده ، ويذهب عن محاسنه الكثير ( 9 ) ، وينظرون إلى كثير من قبيحة بعين الحسن ، وكثير من حسنه بعين القبح ، ثم يختلفون في الأحسن منه اختلافا كثيرا ، وتتباين آراؤهم في تفضيل ما يفضل منه - فكيف لا يتحيرون فيما لا يحيط به علمهم ، ولا يتأتى في مقدورهم ، ولا يمثل بخواطرهم ؟ وقد حير القوم الذين لم يكن أحد أفصح منهم .
--> ( 1 ) كذا في س ، ك ، وفى م : " في أطلال " ( 2 ) م : " بحيث يحق " ( 3 ) م : " في الدنيا " ( 4 ) م : " أعماد " ( 5 ) م : " وقروض " ( 6 ) سورة النحل : 98 ( 7 ) الزيادة من م ( 8 ) كذا في م ، وفى س ، ك : " الشعراء " ( 9 ) ك : " يذهب . . . الكبير " .